السيد كمال الحيدري
165
الدعاء إشراقاته ومعطياته
عنده مخزون يقدِّم منه ما يشاء ، ويؤخِّر منه ما يشاء ، ويثبت ما يشاء » « 1 » . فقوله ( عليه السلام ) : « وعلمٌ علَّمه ملائكته ورسله » ، يُريد به العلم الممكن ، وقوله : « فما علَّمه ملائكته ورسله فإنه سيكون » ، يُريد به القسم الأوّل من العلم الممكن تحديداً ، وهو المحتوم الذي لابدَّ منه ، وقوله ( عليه السلام ) : « وعلم عنده مخزون » ، هو العلم الأوّل الذي لا يقع فيه البداء ، ولكنه ينشأ منه ، أي إنه علَّة للبداء لا معلول له ، ولذا قال ( عليه السلام ) : « يقدِّم منه ما يشاء ، ويؤخِّر منه ما يشاء ، ويثبت ما يشاء » ، ولم يقل : ويمحو منه ما يشاء ، فيكون العلم المخزون بلا تغيير ، ولكن فيه تقديم وتأخير ، إي : فيه إعلام وإخفاء ، وعليه فلابدَّ من علم آخر يقع فيه التغيير ، وهو ما نصطلح عليه بالقسم الثاني من العلم الممكن ، الذي يمحو الله تعالى منه ما يشاء إذا تعلَّقت مشيئته بخلاف المعلوم لنا ظاهراً ، أو بخلاف ما وصلنا علمه ؛ أو يُثبت ما وصلنا علمه فيما إذا لم تتعلَّق مشيئته بخلافه ؛ علماً بأنَّ هذا العلم الثاني قد يقع للأنبياء والرسل ( عليهم السلام ) أيضاً « 2 » ، ولا يلزم منه تكذيبهم ، فالتكذيب
--> ( 1 ) أُصول الكافي ، مصدر سابق : ج 1 ، ص 147 ، الحديث : 6 . ( 2 ) يُروى أنَّ السيد المسيح ( عليه السلام ) مرَّ هو وأتباعه يوماً بقرية كانت تُقيم عُرساً ، فقال ( عليه السلام ) : غداً سوف تموت هذه العروس ، فبقي أتباعه يُتابعون الأمر ليروا ما سيجري على تلك العروس ، فلما أصبح الصباح ذهبوا لذلك المنزل وطرقوا الباب فخرجت لهم العروس نفسها ، دون أن يُصيبها مكروه ، فتعجَّب الأتباع وعادوا للسيد المسيح ( عليه السلام ) مُستفسرين عن ذلك ، فقال لهم تقصّوا الخبر ، فاسألوها عمَّا فعلته يوم أمس ، فإن أجابتكم فاكشفوا لها عمَّا هو موجود تحت سريرها ، فسألوها ، فقالت لهم بأنَّها ليلة أمس قد طرق منزلهم فقير فلم تجد غير ثوب عرسها لتُقدّمه له ، فقالوا لها : انظري ماذا يُوجد تحت سريرك ، فكشفت عنه ، فوجدوا أفعى ميتة ، ثمَّ أخبرهم عيسى ( عليه السلام ) بأنَّ الله تعالى صرف عنها السوء جزاءً لمّا تصدَّقت به ، وهذا مورد من موارد البداء ، وقيل بأنه ( عليه السلام ) ذهب بنفسه وكشف عن الأمر وأخبرهم بوقوع البداء . وقد كان هذا الأمر ضرباً من الإعجاز للسيّد المسيح ، وضربة قاصمة لليهود الذين منعوا وقوع البداء .